مجد الدين ابن الأثير

244

المختار من مناقب الأخيار

ما يريد ، فأدعه . قالت حفصة : فلمّا مات رزق اللّه عليه من الصّبر ما شاء اللّه أن يرزق ، غير أنّي كنت أجد غصّة لا تذهب . قالت : فبينا أنا ذات ليلة أقرأ سورة النّحل إذ أتيت على هذه الآية : لا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [ النحل : 95 - 96 ] . قالت : فأعدتها ، فأذهب اللّه ما كنت أجد . قالت : وكانت له لقحة « 1 » ، وكان يبعث إليّ بحلبة بالغداة فأقول : يا بني ، إنّك لتعلم أنّي لا أشربه ، أنا صائمة . فيقول : يا أمّ الهذيل ، إنّ أطيب اللّبن ما بات في ضروع الإبل . اسقه من شئت . وقال هشام : اشترت حفصة جارية أظنّها سنديّة ، فقيل لها : كيف رأيت مولاتك ؟ فذكرت كلاما بالفارسيّة ؛ تفسيره : إنّها امرأة صالحة ، إلّا أنّها قد أذنبت ذنبا عظيما ؛ فهي الليل كلّه تبكي وتصلّي . وقال عبد الكريم بن معاوية : ذكر لي عن حفصة أنّها كانت تقرأ نصف القرآن في كلّ ليلة ، وكانت تصوم الدّهر ، وتفطر العيدين ، وأيام التّشريق . وقال هشام : كان لحفصة كفن معدّ ، فإذا حجّت وأحرمت لبسته ، وكانت إذا كان العشر الأواخر من رمضان قامت من الليل فلبسته . وقال : قالت أمّ سليم : ربّما نوّر لحفصة بنت سيرين بيتها . وفي رواية : قال هشام : كانت حفصة بنت سيرين تسرج سراجها من الليل ، ثم تقوم في مصلّاها ، فربّما طفئ السّراج ، فيضيء لها البيت حتى تصبح . رحمة اللّه عليها ورضوانه .

--> ( 1 ) اللّقحة : الناقة الحلوب الغزيرة اللبن . متن اللغة ( لقح ) .